فنّ تحويل التجربة الخام إلى حكمة صافية: نموذج التقطير النفسي

ليس كل من يمرّ بتجربة يخرج منها أكثر حكمة. فالتجربة بحد ذاتها خام غير مصقول، تحتاج إلى عملية واعية لاستخلاص معناها الحقيقي وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام. هنا يأتي مفهوم “التقطير النفسي” نموذج إداري نفسي يهدف إلى تحويل التجربة الخام إلى حكمة صافية، تماماً كما تُقطَّر المواد للحصول على أنقى صورها وأكثرها فاعلية.

 

التجربة الخام لماذا لا تكفي؟

 

الموظفون والقادة يمرون يومياً بمواقف مليئة بالدروس، لكن أغلب هذه الدروس تضيع لأن:

  • التفكير يكون منصبًّا على الحدث لا على المعنى.
  • ردود الفعل العاطفية تطغى على التحليل الهادئ.
  • ضغط العمل يمنع الوقوف عند التجربة وتأملها.

لهذا يصبح التقطير النفسي ضرورة تنظيمية، لا رفاهية فردية.

 

ما هو التقطير النفسي؟

 

التقطير النفسي هو عملية عقلية منهجية تهدف إلى:

  1. عزل جوهر التجربة عن تفاصيلها المشتتة.
  2. قراءة ما وراء السلوك والأحداث.
  3. تحويل رد الفعل العابر إلى قاعدة منهجية قابلة للتطبيق.

 

بمعنى آخر، هو فنّ تحويل “ما حدث” إلى “كيف نفكر فيما حدث”، ثم إلى “كيف نتصرف بشكل أفضل في المرة القادمة”.

 

منظور الاستشارات الإدارية: كيف يتحول التقطير النفسي إلى أداة مؤسسية؟

 

من خبرة الاستشارات الإدارية، المؤسسات التي تعتمد هذا النموذج تحقق مستويات أعلى من النضج المهني لأن القادة والموظفين:

  • يقللون تكرار الأخطاء لأن التجربة الواحدة تكفي لتوليد نمط معرفي.
  • يتخذون قرارات أسرع لأن الحكمة المقطّرة تصبح إطارًا جاهزًا للاستخدام.
  • يبنون ذاكرة تنظيمية حقيقية تسمح بانتقال المعرفة بشكل سلس بين الأفراد.

 

الاستشارات هنا تساعد المؤسسات على تصميم آليات لالتقاط التجارب وتحويلها إلى دروس عملية دون الدخول في تنظير زائد أو جلسات مطوّلة غير فعّالة.

 

خطوات عملية لتطبيق نموذج التقطير النفسي

  1. التوقف الهادئ بعد الحدث

سواء كانت تجربة نجاح أو إخفاق، يجب توفير “دقيقة مراجعة” تسمح للعقل بعزل الانطباع عن النتيجة.

  1. طرح أسئلة التقطير الأساسية
    • ما الذي حدث فعلاً؟
    • لماذا حدث بهذه الطريقة؟
    • ما الدرس الذي يمكن تعميمه؟
    • ما الذي يجب تغييره أو الحفاظ عليه؟
  2. تحويل الدرس إلى مبدأ

الحكمة لا تكون واضحة ما لم تُصاغ في جملة موجزة تصلح كقاعدة عامة، مثل:

“كلما زاد الغموض، زادت الحاجة لضبط التوقعات مبكراً.”

  1. اختبار المبدأ في سيناريو مختلف

هنا يظهر الفرق بين التفسير والانضاج: الحكمة التي تصمد في سياق جديد هي حكمة حقيقية.

  1. دمج الحكمة داخل النظام المؤسسي

عبر:

  • أدلة إجرائية مختصرة.
  • نماذج نجاح.
  • جلسات مراجعة قصيرة تعتمد على التحليل لا السرد.

 

لماذا يعتبر التقطير النفسي مهارة قيادية؟

 

القائد الذي يتقن هذه العملية لا يرى التجارب كمواقف عابرة، بل كمواد خام لصناعة الحكمة. وبالتالي يصبح:

  • أقل انفعالاً وأكثر اتّزانًا.
  • أقدَر على توجيه الفريق من خلال “معاني مختصرة” بدلاً من تعليمات طويلة.
  • أكثر دقّة على قراءة الإشارات المبكرة للمشكلات.

 

من منظور استشاري، هذا المستوى من التحليل العميق يعطي المؤسسة بوصلة داخلية تستند إلى خبرات حقيقية، لا إلى شعارات تدريبية.

 

 

التجارب لا تُنتج الحكمة تلقائياً؛ ما يُنتج الحكمة هو طريقة التعامل مع التجربة.

ونموذج التقطير النفسي يقدم إطارًا عمليًا لتحويل ما نمرّ به إلى قاعدة معرفية صلبة، تُثري أسلوب التفكير وتعمّق جودة القرار داخل المؤسسة.

 

فالمنظمة التي تتقن التقطير النفسي لا تتطور بخطوات عشوائية إنما بقفزات محسوبة مبنية على وعي وخبرة مكررة.