في المؤسسات الحديثة، ليست قنوات التعلم الرسمية هي التي تصنع الفارق الحقيقي، بل ذلك النوع من المعرفة التي تنتقل بهدوء داخل بيئة العمل: ملاحظة سلوك، استيعاب طريقة تفكير، أو التقاط مهارة من زميل دون تدريب مباشر. هذه الظاهرة تُعرف في الأدبيات الإدارية الحديثة باسم “التعلم الفيروسي” — أي الانتقال السريع وغير المرئي للخبرة المهنية من عقل إلى آخر، تماماً كما تنتشر الفيروسات في الطبيعة، ولكن بصورة إيجابية تعزز الأداء والابتكار.
كيف يحدث التعلم الفيروسي؟
التعلم الفيروسي لا يعتمد على المحاضرات ولا على الدورات التقليدية، بل على الاحتكاك المعرفي داخل بيئة العمل.
يحدث عبر ثلاث آليات رئيسية:
- الملاحظة الدقيقة: الموظف يراقب طريقة معالجة زميله لمشكلة معقدة، فيتبنى الأسلوب دون تعليم رسمي.
- التكرار الاجتماعي: حين يعتمد الفريق على نمط سلوكي معين، يبدأ الأفراد في محاكاته تلقائياً ليصبح “معياراً غير مكتوب”.
- انتقال المفاهيم عبر الحوار العابر: نقاش قصير في ممر أو تعليق داخل اجتماع يكفي لتغيير طريقة فهم شخص لمسألة مهنية بالكامل.
ما يجعل هذا النوع من التعلم مؤثراً هو أنه غير مقيد، ويمرّ عبر التجربة العملية وليس عبر المحتوى المعبأ مسبقاً.
منظور الاستشارات الإدارية: لماذا يعتبر التعلم الفيروسي محركاً قوياً؟
الاستشارات الإدارية ترى هذا النمط كأحد أهم مصادر التطور الداخلي لأنه:
- أسرع من التدريب التقليدي، إذ ينتقل في اللحظة التي تحدث فيها المشكلة الحقيقية.
- أكثر صدقية لأن الموظفين يتعلمون من ممارسات ناجحة لا من نظريات مجردة.
- أكثر استدامة لأنه يخلق عادة مهنية، لا معرفة عابرة.
- يحسن الثقافة التنظيمية حين تنتقل القيم الإيجابية بنفس سرعة المهارات.
ولذلك تعتمد المؤسسات الناضجة على تصميم بيئات تشجع “العدوى المعرفية” بدل الاعتماد الكامل على المسارات التدريبية الرسمية.
كيف تعزز المؤسسات التعلم الفيروسي بشكل واعٍ؟
- هندسة الاحتكاكات الذكية
تشكيل فرق عمل مختلطة الخبرات، بحيث ينتقل السلوك المهني من الأفراد المتمرسين إلى المستجدين تلقائياً.
- بناء مساحات التعلم غير الرسمي
مثل اجتماعات قصيرة، أو جلسات مراجعة أسبوعية، أو نقاشات مفتوحة بعد انتهاء المشاريع. هنا تنتقل الخبرات بشكل طبيعي وسلس.
- تقدير السلوكيات المنقولة
مكافأة الإجراءات التي تحفّز انتشار المعرفة، مثل مشاركة الأدوات أو توثيق الحلول بطريقة يفهمها الجميع.
- تحويل الخبرة إلى نماذج متكررة
عندما تُلتقط ممارسة ناجحة متداولة، يتم تحويلها إلى “نموذج مصغر” يمكن إعادة استخدامه وتطويره.
مخاطر التعلم الفيروسي غير المُدار
كما يحمل الفيروس المعلومات المفيدة، يمكن أن ينتقل السلوك السلبي بالآلية نفسها:
- التطبيع مع الأخطاء الصغيرة.
- التراخي في الجودة.
- الاعتماد على حلول سريعة وغير دقيقة.
ومن هنا تأتي أهمية وجود حوكمة معرفية تضمن أن ما ينتشر هو ما يعزز الأداء وليس ما يضعفه.
التعلم الفيروسي هو الوجه الخفي للتطور المهني داخل المؤسسات. إنه انتقال صامت لكنه قوي، تنمو به المهارات وتتعمق به الخبرة دون إعلان رسمي. والمؤسسات الذكية لا تكتفي بمراقبة هذا النوع من التعلم، بل تصممه وتستثمره، فتجعل المعرفة تنتقل بنفس سرعة التغيير في بيئة العمل.
فالخبرة لا تُلقَّن إنها تعدي. والمستقبل للمؤسسات التي تعرف كيف تجعل هذه العدوى إيجابية وهادفة.
